ابن عربي
65
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
والمقدار ، ولما كان الأمر في العلم باللّه في العالم في أصل خلقه وعلى هذا المزاج الطبيعي ، أنزل اللّه الشرائع على هذه المراتب ، حتى يعمّ الفضل الإلهي جميع الخلق كله ، فأنزل « لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ » وهو لأهل العلم باللّه مطلقا من غير تقييد ، وأنزل قوله تعالى : ( أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً ) ( وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) ( فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ ) ( وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) و ( اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ) و ( فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ) ( وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) وهذا كله في حق من قيده بصفات الكمال ، وأنزل تعالى من الشرائع ( الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى ) ( وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ ) ( وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ ) و ( تَجْرِي بِأَعْيُنِنا ) و ( لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا ) وهذا في حق من قيده بصفات الحدوث ، فعمت الشرائع ما تطلبه أمزجة العالم ، ولا يخلو المعتقد من أحد هذه الأقسام ، والكامل المزاج هو الذي يعم جميع هذه الاعتقادات ، ويعلم مصادرها ومواردها ولا يغيب عنه منها شيء ، فإن ذات الحق وإنّيته مجهولة عند الكون ، ولا سيما وقد أخبر جل جلاله عن نفسه بالنقيضين في الكتاب والسنة ، [ التنزيه والتشبيه بقوله تعالى : « لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ » : ] فشبّه في موضع ونزه في موضع ب « لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ » ، وشبه بقوله « وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ » فتفرقت خواطر التشبيه وتشتت خواطر التنزيه ، فإن المنزه على الحقيقة قد قيده وحصره في تنزيهه وأخلى عنه التشبيه ، والمشبّه أيضا قيده وحصره في التشبيه وأخلى عنه التنزيه ، والحق في الجمع بالقول بحكم الطائفتين ، فلا ينزه تنزيها يخرج عن التشبيه ، ولا يشبّه تشبيها يخرج عن التنزيه ، فلا تطلق ولا تقيد ، لتميّزه عن التقييد ، ولو تميّز تقيّد في إطلاقه ، ولو تقيّد في إطلاقه لم يكن هو ، فهو المقيّد بما قيّد به نفسه من صفات الجلال ، وهو المطلق بما سمى به نفسه من أسماء الكمال ، وهو الواحد الحق الجلي الخفي ، لا إله إلا هو العلي العظيم ، وتميزه تعالى إنما هو بأنه لا يتصف بصفات المحدثات على الوجه الذي يتصف به المحدث الممكن ، لأنه ليس كمثله شيء ، فلا يعرف العبد ربه إلا بالسلوب ، فإن اللّه تعالى لا يتصف بالحصر ولا بالحد ، ولا يتميز بذلك عندنا ، فقوله تعالى : « لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ » ثناء بالتنزيه للذات ، فهو كمال ذاتي ، فإن للذات الغنى المطلق عن العالمين ، « وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ » ثناء بالكمال الإلهي لطلب المسموع والمبصر ، فإن الكمال الإلهي بالفعل هو في نفوذ الاقتدار في المقدورات ، ونفوذ الإرادة في المرادات ، وظهور أحكام الأسماء الإلهية ، والكمال الذاتي للذات الغنى المطلق عن هذا كله ، يقول